الآلوسي

192

تفسير الآلوسي

به ليخلصوا من العقوق على ما قيل ، ويحتمل أن يراد الصلاح الدنيوي أن صالحين في أمر دنياكم فإنه ينتظم لكم بعده بخلو وجه أبيكم ، وإيثار الخطاب في * ( لكم ) * وما بعده للمبالغة في حملهم على القبول فإن اعتنارء المرء بشأن نفسه واهتمامه بتحصيل منافعه أتم وأكمل . * ( قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فاعِلِينَ ) * * ( قَالَ قَائلٌ مِّنْهُمْ ) * هو وكان رأيه فيه أهون شراً من رأى غيره وهو القائل : * ( فلن أبرح الأرض ) * ( يوسف : 80 ) الخ القاله السدى . وقال قتادة . وابن إسحق : هو روبيل ، وعن مجاهد أنه شمعون ، وقيل : دان ، وقال بعضهم : إن أحد هذين هو القائل : * ( اقتلوا يوسف ) * الخ ، وأما القائل : * ( لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ ) * فغيره ، ولعل الأصح أنه يهوذا . قيل : وإنما لم يذكر أحد منهم باسمه ستراً على المسيءوكل منهم لم يخل عن الإساءة وإن تفاوتت مراتبها ، والقول بأنه على هذا لا ينبغي لأحد أن يعين أحداً منهم باسمه تأسياً بالكتاب ليس بشيء لأن ذلك مقام تفسير وهو فيه أمر مطلوب ، والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً كأن سائلاً سأل اتفقوا على ما عرض عليهم من خصلتي الصنيع أم خالفهم في ذلك أحد ؟ فقيل : قال قائل منهم : * ( لا تقتلوا ) * الخ ، والاتيان - بيوسف - دون ضميره لاستجلاب شفقتهم عليه واستعظام قتله وهو هو مانه يروى أنه قال لهم : القتل عظيم ولم يصرح بنهيهم عن الخصلة الأخرى ، وأحاله على أولوية ما عرضه عليهم بقوله : * ( وَأَلْقُوهُ في غَيَابَت الْجُبِّ ) * أي في قعره وغوره سمي به لغيبته عن عين الناظر ، ومنه قيل للقبر : غيابة ، قال المنخل السعدي : إذا أنا يوماً غيبتني ( غيابتي ) * فسيروا بسيري في العشيرة والأهل وقال الهروي : الغيابة في الجب شبه كهف . أو طاق في البئر فوق الماء يغيب ما فيه عن العيون ، والجب الركية التي لم تطو فإذا طويت فهي بئر قال الأعمش : لئن كنت في جب ثمانين قامة ورقيت أسباب السماء بسلم ويجمع على جبب . وجباب . وأجباب ، وسمي جباً لأنه جب من الأرض أي قطع ، وسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى الكلام فيتأنيثه وتذكيره . وقرى نافع في - غيابات - في الموضعين كأن لتلك الجب غيابات ، ففيه إشارة إلى سعتها ، أو أراد بالجب الجنس أي في بعض غيابات الجب ، وقرأ ابن هرمز - غيابات - بتشديد الياء التحتية وهو صيغة مبالغة ، ووزنه على ما نقل صاحب اللوامح يجوز أن يكون فعالات كحمامات ، ويجوز أن يكون فيعالات كشيطانات في جمع شيطانة ، وقرأ الحسن غيبة بفتحات على أنه في الأصل مصدر كالغلبة ، ويحتمل أن يكون جمع غائب كصانع وصنعة ، وفي حرف أبيّ رضي الله تعالى عنه غيبة بسكون الياء التحتية على أنه مصدر أريد به الغائب . * ( يَلْتَقطْهُ ) * أي يأخذه على وجه الصيانة عن الضياع والتلف فان الالتقاط أخذ شيء مشرف على الضياع كذا قيل ، وفي مجمع البيان هو أن يجد الشيء ويأخذه من غير أن يحسبه ، ومنه قوله : ومنهل وردته التقاطاً * ( بَعْضُ السَّيَّارَة ) * أي بعض جماعة تسير في الأرض وأل في السيارة كما في الجب وما فيهما ، وفي - البعض - من الابهام لتحقيق ما يتوخاه من ترويج كلامه بموافقته لغرضهم الذي هو تنائى يوسف عليه السلام عنهم بحيث لا يدري أثره ولا يروى خبره ، وقرأ الحسن - تلتقطه - على التأنيث باعتبار المعنى كما في قوله : إذا بعض السنين ( تعرفتنا ) * كفى الأيتام فقد أبى اليتيم